مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

113

شرح فصوص الحكم

تعالى ) وهم الرسل ( و ) دين عند ( من عرفه من عرفه الحق ) وهم العلماء ورثة الأنبياء فهذا كله دين عند اللّه تعالى ( و ) ثانيها ( دين عند الخلق ) أي عند الخواص وهو الطريق الخاص الحاصل لهم باختراعهم ( وقد اعتبره اللّه فالدين الذي عند اللّه هو الذي اصطفاه اللّه وأعطاه الرتبة العلية على دين الخلق ) فدل ذلك على أن الشريعة أقوى وأفضل على طريقة أهل اللّه ، وإن كانت تلك الطريقة جامعة لدين الحق ( فقال تعالى : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) [ البقرة : 132 ] أي منقادون إليه وجاء الدين بالألف واللام للتعريف وللعهد وهو ) أي المعهود ( دين معلوم معروف ) عند المخاطب ( وهو ) أي الدين المعروف ( قوله تعالى ) أي هو المراد من قوله تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] وهو ) أي الإسلام ( الانقياد ) فإذا كان الإسلام هو الانقياد ( فالدين عبارة عن انقيادك والذي ) جاء ( من عند اللّه هو الشرع الذي انقدت أنت إليه ) فقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ [ البقرة : 132 ] يدل على أن الدين عند اللّه هو الشرع المصطفوية والإسلام هو انقياد إليه وقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] يدل على أن الدين عند اللّه هو انقياد العبد إلى الشرع فصحّ إطلاق الدين على المعنيين فبنى كلامه على الفرق فقال : ( فالدين الانقياد والناموس هو الشرع الذي شرعه اللّه ) أي جعله طريقا ومذهبا لعباده يسلكونه ( فمن اتصف بالانقياد لما شرعه اللّه له فذلك ) الشخص ( الذي قام بالدين وأقامه أي أنشأه كما يقيم الصلاة فالعبد هو المنشئ للدين والحق هو الواضع للأحكام ) وهي النواميس الإلهية فإذا كان العبد هو المنشئ للدين ( فالانقياد عين فعلك ) وهو الإنشاء ( فالدين ) حينئذ حاصل ( من فعلك ) وهو الانقياد وهو معنى ثالث للدين مغاير للمعنيين الأولين ( فما سعدت إلا بما كان منك ) أي بما حصل من انقيادك وهو الدين فما سعدت إلا بآثارك ( فكما أثبت السعادة لك ما كان إلا فعلك ) أي ما كان حاصلا من فعلك إذ نفس الفعل وهو الانقياد معنى مصدري معدوم في الخارج لا تثبت به السعادة بل تثبت بأثره الوجود في الخارج ( كذلك ما أثبت ) أي ما أظهر ( الأسماء الإلهية إلا أفعاله ) أي أفعال الحق ( وهي ) أفعال الحق ( أنت ) فقوله : ( وهي المحدثات ) جملة مفسرة لجملة وهي أنت ( فبآثاره ) أي بآثار الحق هي المألوهات ( يسمى ) الحق ( إلها وبآثارك ) وهي إقامتك الدين ( سميت سعيدا ) بالسعادة العظمى وهي سبب لنجاتك عن النار ودخولك في الجنان فما كان أحدا سعيدا ومرضيا عند ربه إلا بالانقياد إلى الشرع ( فأنزل اللّه ) في التسمية وظهور كمالاتك ( منزلته ) في التسمية وظهور كمالاته ( إذا أقمت الدين وانقدت إلى ما شرعه لك وسأبسط ) لك ( في ) بيان ( ذلك ) المقام ( إن شاء اللّه تعالى ما ) مفعول سأبسط أي الذي ( يقع به الفائدة بعد أن نبين الدين الذي عند الخلق الذي اعتبره اللّه تعالى ) فإذا اعتبر اللّه الدين الذي عند الخلق ( فالدين كله ) أي سواء كان عند الحق أو عند الخلق مختص ( للَّه ) لا يكون لغيره